سيواجه دونالد ترامب الجمهورية الإسلامية التي أصبحت فجأة أكثر هشاشة مما كانت عليه
بعد أن تعرضت إيران لضربات في محاور عديدة، في الداخل والخارج، حيث أصبحت فجأة أكثر هشاشة مما كانت عليه، و أصبحت قيادتها أكثر غموضا، وبرنامجها النووي أكثر تعرضا للهجوم، وقد أثار هذا الواقع الجديد نقاشا داخليا حول الكيفية التي ينبغي للإدارة الأميركية الجديدة بقيادة دونالد ترامب أن تتعامل بها مع إيران: هل من خلال الانفتاح على المفاوضات، أو بشن هجوم على برنامجها لتخصيب اليورانيوم ــ علنا أو سرا، أو ربما بمبادرة من إسرائيل.
أو، كما يقترح كثيرون، جولة من الدبلوماسية الشديدة التي تترك لإيران خيار تفكيك قدراتها النووية عن طريق التفاوض، أو التفكيك الإجباري.
أكد جيك سوليفان، مُستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي جو بايدن، على هذه القضية بالحاح، يوم الأحد الماضي، عندما أخبر شبكة سي إن إن الأمريكية، بأنه مع إضعاف أو القضاء على وكلاء إيران الرئيسيين، فلا عجب أن هناك أصواتًا تقول حسنًا، ربما نحتاج إلى الحصول على سلاح نووي الآن!
و قال مستشار الأمن القومي الأمريكي بأنه ناقش “الخطر الحقيقي” المُتمثل في سباق إيراني للحصول على القنبلة النووية مع فريق الأمن القومي للرئيس المنتخب دونالد ترامب ومع الإسرائيليين.
في المقابلات بواسطة صحيفة نيويورك تاميز التي أجريت على مدى الأسبوعين الماضيين، قال مسؤولون أمريكيون وأجانب للصحيفة، إن المشهد الإيراني النووي مُهدد بأن يأخذ منعطفًا كبيراً في الأشهر القليلة المُقبلة!
هذا التقييم، من قبل المسؤوليين الأمريكيين جاء بعد أن حذر مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من أن إيران تسرع من تخصيب اليورانيوم الذي يقترب من درجة القنابل النووية.
أعرب الرئيس الإيراني الجديد مسعود پزشكيان، الذي أُنتخب بعد وفاة الرئيس ابراهيم رئيسي، المتشدد بحادث تحطم طائرة تحمله، مع وزير الخارجية الايراني، والسيد دونالد ترامب عن إستعدادهما للتفاوض على اتفاق نووي جديد، رغم أن أياً منهما لم يقل كلمة واحدة عن شروطه.

صورة بواسطة الذكاء الإصطناعي
ولكن كلاهما، يدركان أن التوازن العسكري قد تَغير ــ وأن قدرة إيران على الرد على إسرائيل من خلال وكلائها، وحتى أسطولها الصاروخي، قد تضاءلت إلى حد كبير، لذا ففي حين لم تكن هنالك فرصة للدبلوماسية خلال الست سنوات الماضية، وكذلك أقل لتوجيه ضربة عسكرية استباقية للمنشأت النووية الإيرانية!
في تعليقات علنية، وعد مساعدو السيد دونالد ترامب بحملة “الضغط الأقصى” المُتجددة التي تركز على قطع عائدات النفط الإيرانية من خلال الضغط على الصين، أكبر مُشتر ٍلشحنات النفط الإيرانية الخاضعة للعقوبات.
قال مايكل والتز، الذي عينه الرئيس المُنتخب دونالد ترامب مُستشارا للأمن القومي، في تشرين الثاني/نوفمبر، على قناة سي إن بي سي:
“التغيير الذي ستشهده هو المزيد من التركيز على إيران، إن الضغط الأقصى لن يساعد فقط في الاستقرار في الشرق الأوسط، بل سيساعد كذلك في الاستقرار في وضع حرب روسيا و أوكرانيا، حيث توفر إيران الصواريخ الباليستية والآلاف والآلاف من الطائرات بدون طيار التي تذهب لصالح هذه الحرب”.
لم يناقش مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان تفاصيل مُحادثاته حول ايران، مع إسرائيل، ولكن المسؤولين الإسرائيليين الحاليين والسابقين ناقشوا علناً ما إذا كان ينبغي لهم اغتنام هذه الفرصة.
قال يوآف غالانت، وزير الدفاع الإسرائيلي الذي أقاله رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر، بعد أشهر من الخلافات حول كيفية الرد على الهجمات الإرهابية التي وقعت في السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023، مؤخراً إن هناك نافذة للعمل ضد إيران، قبل أن تتمكن من اتخاذ الخطوات القليلة الأخيرة لإنتاج سلاح نووي.
قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لصحيفة وول ستريت جورنال الأسبوع الماضي، إن الإيرانيين أُصيبوا بالذهول عندما دمرنا دفاعاتهم الجوية الحاسمة، في السادس و العشرين من تشرين أول/أكتوبر 2024، خلال الرد الأخير الإسرائيلي ضد هجمات إيران الصاروخية الأخيرة!
على الرغم من عدم وجود أدلة مقنعة بنسبة 100%، ان اسرائيل دمرت بشكل كامل هذه الدفاعات الجوية!
قال إريك إيدلمان Eric Edelman، وهو مسؤول كبير سابق في وزارة الدفاع الأمريكية في إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش، لصحيفة نيويورك تاميز:
“الأمر المختلف الآن هو أن الإيرانيين أصبحوا عُرضة للخطر بشكل لا يصدق”.
نشر مؤخراً تحليلاً يدعو فيه الرئيس دونالد ترامب إلى منح إيران وسيلة تفاوضية لتسليم المواد النووية والدفع من أجل رفع العقوبات أو مواجهة هجوم مباشر على منشآتها النووية!
وقال:
“لقد وصل إلى السلطة الآن رئيس سابق حاولوا اغتياله على ما يبدو، ورئيس وزراء في إسرائيل لديه كل الحوافز للرغبة في توجيه ضربة عسكرية، جزئياً لاستعادة سمعته، إذا نجحوا معاً في زيادة الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية والدعم العسكري، فسوف تختبر حقاً الاقتراح القائل بإمكانية إنهاء البرنامج النووي”.
أنسحب دونالد ترامب في عام 2018 من الاتفاق النووي لعام 2015، وأعاد فرض العقوبات بشكل أشد قسوة، وتوقع أن يأتي الإيرانيون يتوسلوا للحصول على صفقة أخرى، صفقة أكثر إرضاءً له، لكنهم لم يفعلوا.

لمدة عامين، حاول الإيرانيين التفاوض على طريقة للالتفاف على العقوبات مع القوى الأوروبية، بحجة أن العقوبات المفروضة (أمريكية)، وبامكان الدول الاوربية تجاوزها، ولكن انهار هذا الجهد!
كما انهار جهد آخر من قبل إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن لمعرفة ما إذا كان بإمكان إحياء الاتفاق المهجور بإتفاق أطول وأقوى منه!
خلص تقييم إستخباراتي غير سري تم تقديمه مؤخرًا إلى الكونغرس إلى أن إيران قامت بتخصيب ما يكفي من اليورانيوم لصنع ما يزيد عن (اثنتي عشرة قنبلة نووية)، منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018.
قبل عدة أسابيع، تسارعت وتيرة إنتاج إيران لليورانيوم المُخصب بنسبة 60%، وفقاً للمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهذا أقل بقليل من نسبة التخصيب بنسبة 90% المُستخدمة في صنع القنابل النووية.
هناك جدال حول ما قد يستغرقه تحويل هذا اليورانيوم المُخصب، إلى هيأة معدنية (صلبة) وتشكيله على شكل رأس حربي، ووضع المتفجرات حولة، وتنفيذ التفجير النووي!
ولكن كقنبلة بدائية ــ التي يتم تفجيرها في منطقة معينة، على سبيل المثال ــ قد تستغرق ستة أو ثمانية أشهر فقط، أما القنبلة الأكثر تطوراً والتي يمكن تركيبها على صاروخ باليستي فقد تستغرق عاماً و نصف العام، للتتلائم مع هيأة وشكل الصاروخ، والمسافة المستهدفة.

وقد دعا المسؤولون الإيرانيون بشكل متزايد حكومتهم إلى التخلي عن إصرارها (المشكوك فيه منذ فترة طويلة) على أن البرنامج النووي سلمي بالكامل، وقد زعم بعض أعضاء النُخبة الحاكمة علناً منذ المحاولة الأولى الفاشلة لإيران لضرب إسرائيل بالصواريخ في الربيع 2024، من أنهم في حاجة إلى رادع أقوى كثيراً (أي الأسلحة النووية).
قال مُستشار الأمن القومي جيك سوليفان، لشبكة سي أن أن:
“عندما تحدث أشياء جيدة، مثل أن تصبح إيران أضعف مما كانت عليه من قبل، فإن هناك في كثير من الأحيان أشياء سيئة كامنة في الأفق”.
لقد عملت إسرائيل والولايات المتحدة في كثير من الأحيان في انسجام لإبطاء تقدم إيران، وخاصة مع الهجوم الإلكتروني السري الذي أستمر لسنوات والذي أطلق عليه اسم “الألعاب الأولمبية”، والذي كان يهدف إلى تدمير أجهزة الطرد المركزي النووية الإيرانية، ولكن النتائج كانت محدودة!
منذ ذلك الحين سار رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو مرارا وتكرارا إلى مرحلة إصدار أمر بضربات عسكرية تستهدف البرنامج النووي الإيراني، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة – في بعض الأحيان بناء على طلب الولايات المتحدة، وأحيانا أخرى بسبب اعتراضات من مسؤوليه العسكريين والاستخباراتيين، الذين قالوا إنهم يخشون أن تكون النتيجة فقط دفع برنامج إيران ألى المزيد من التطور، واخفاءه بعيدا داخل الجبال!
الآن، لدى رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو فرصة جديدة.
لقد أدى هجوم إسرائيل في 26 تشرين أول/أكتوبر 2024، إلى تدمير كل الدفاعات الجوية حول العاصمة الايرانية طهران، والمواقع النووية الرئيسية.
كما دمرت إسرائيل بعض المواقع السرية التي كانت إيران تصنع فيها الوقود لصواريخها الباليستية، ويقدر المسؤولون الأمريكيون أن الأمر سيستغرق عامًا أو أكثر لإعادة بنائها، في موقع شرق العاصمة طهران.
في نفس العملية، ضربت إسرائيل، ما ألمح إليه رئيس الوزراء الاسرائيلي، بأنه مُختبر أبحاث نووية في منشأة پارشين، على الرغم من أن المسؤولين الأميركيين يقولون إنه قديم، وبقايا جهود سابقة، ومع ذلك، كان تحذيرًا.
تدمير البنية التحتية النووية الإيرانية سيكون صعبًا للغاية بالنسبة لإسرائيل، ما لم يأذن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنوع المُساعدة التي رفض الرؤوساء السابقين تقديمها.
في حين يمكن للقوات الجوية الإسرائيلية ضرب موقع تخصيب اليورانيوم في منشأة نطنز، فإن تخصيب اليورانيوم الجديد يحدث في منشأة أخرى، تدعى فوردو، داخل الجبال.

من المؤكد تقريبًا أن اختراقه يتطلب أكبر قنبلة خارقة للتحصينات في أميركا – و الذي يبلغ وزنها 30 ألف رطل، و يتطلب إيصال القنبلة قاذفة من طراز B-2، والتي من المفترض أن يعطيها دونالد ترامب إلى لإسرائيل، إذا أتفقا على ذلك!

من غير الواضح كيف سيستجيب دونالد ترامب ومستشاروه لطلبات المساعدة الإسرائيلية، كان مُرشحه لمنصب وزير الخارجية، ماركو روبيو، معروفًا في مجلس الشيوخ بأنه من المتشددين ضد إيران، وقد حارب الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه في عهد باراك أوباما.
لكن مسؤولين آخرين، بما في ذلك نائب الرئيس المُنتخب جيمس ديفيد (جي دي) فانس، زعموا أن الولايات المتحدة بحاجة إلى انتشال نفسها من الحروب الأبدية في الشرق الأوسط.
كان الرئيس المنتخب دونالد ترامب مُترددا في مهاجمة إيران خلال فترة ولايته الأولى، لكن مساعديه يقولون إن وجهة نظره ربما تكون قد تشددت بسبب محاولات الحكومة الإيرانية توظيف قتلة لقتله، كما ورد في لائحة اتهام وزارة العدل التي تم الكشف عنها قبل الانتخابات.
من المحتمل جدًا أن يقوم الرئيس دونالد ترامب في وقت مُبكر بإظهار حشد قوة عسكرية مصممة لضرب المنشآت الإيرانية – ثم الدخول في مفاوضات، و إن هذا الأسلوب يسميه محلليين سياسيين وآخرون، دبلوماسية القوة!
ولكن التوصل إلى إتفاق يتجاوز الاتفاق الذي تم التوصل إليه في عهد باراك أوباما والذي أنسحب منه دونالد ترامب باعتباره عديم الفائدة، سيكون صعبا!
ومن المؤكد تقريبا أن أي اتفاق جديد لابد وأن يتطلب من إيران تسليم كل اليورانيوم المُخصب وكل أجهزة الطرد المركزي، والسماح للمفتشين الدوليين بالدخول إلى كل منشأة مُشتبه بها حيث يمكن إنتاج معدات جديدة.
وهذا مستوى من التفكيك والشفافية لم يتمكن مسؤولو إدارة باراك أوباما من الفوز به خلال عدة سنوات من المفاوضات.
لكن جوهر دبلوماسية القوة هو الرسالة الأساسية لإيران بأنها بطريقة أو بأخرى – بالدبلوماسية أو القوة – ستضطر إلى التخلي عن مخزونات اليورانيوم المخصب بنسب كبيرة، والقدرات التي وضعتها على عتبة السلاح النووي.
قد تكون إيران على استعداد للتراجع التكتيكي، لكنها لم تكن مُستعدة أبدًا لإغلاق جميع منشآتها النووية، ومن غير الواضح، على الأقل في الوقت الحالي، مدى المخاطر التي قد يكون دونالد ترامب على إستعداد لتحملها لتحقيق هذا الهدف.






